ابن هشام الأنصاري

17

شرح قطر الندى وبل الصدى

الرأي ، القوي البيان ، المتين الحجة ، أمكنه أن يكون رائدا في علوم الدين كما كان رائدا في علوم اللغة ، وأن يكون قويا بين أساتذته مما جعل الجميع يشيدون بفضله ويعترفون بنبله ، ويرجعونه إلى عمادة تلك الكلية التي أرسى فيها قواعد العدل ، والتي هيأ فيها للجميع حياة مستقرة ، والتي أمكنه بفضل تفتح ذهنه أن يوجد فيها الأقسام المختلفة ؛ لتتمكن تلك الكلية من متابعة الدرس ومن السير في الدراسة اللغوية والأدبية ، فأنشأ فيها قسما لأصول اللغة كان هو النواة الأولى فيها والمرجع الأوفى فيها » « 1 » . « إن أستاذنا الجليل ووالدنا الراحل كرس حياته معتزا بكرامته معتزا بفضله ، معتزا بعلمه ، لم يتمكن أحد من أن ينال منه إطلاقا ؛ عرضت عليه المناصب ، وقيل : إنه يطلب منك أن تقابل بعض المسؤولين ، فأبت عليه عزة نفسه أن يخضع لتلك الرغبة قائلا أمامنا جميعا ، واللّه يشهد على ما أقول أنني صادق فيه : « إن المنصب إذا كانت الدولة تعترف أنني أهل له فلتسنده إليّ ، وإن لم تكن معترفة بي فلا حاجة بي إلى مقابلة أي مسؤول مطلقا » لم يقلها رحمه اللّه غرورا أو تأبيا ، بل حفاظا على كرامة العلماء ، وعلى كرامة الرجال الذين أثبتوا في شتى العهود السابقة أن رجال الأزهر يجب أن يثبتوا للملأ أن الأخلاق الفاضلة وأن الرجولة الحقة هي التي يجب أن تسيطر عليهم ، وألا تغرهم المناصب ، وألا يبعدهم زهو الحياة وبريق المال إلى الانحراف عن الجادّة القويمة التي سار عليها أستاذنا والتي دربنا عليها تدريبا قويا » « 2 » . ولئن أمكنك - بعد هذا التجوال السريع في دروب حياته وبين معالمها - أن تضع يدك على بعض مواطن النبوغ العلمي والعملي ؛ فحريّ بك أن تجمع إليها قطوفا من أمارات الشموخ والإباء ، ويأتي في مقدمتها موقفه من اعتلاء المناصب الكبرى مثل مشيخة الأزهر ، والتي كان في مقدمة المرشحين لتوليها المرة تلو المرة ، وكذا في ترشيحه لنيل جائزة الدولة في الآداب المرة بعد المرة ، وأضف لذلك - إن شئت - تلك العروض التي تلقاها لرئاسة جامعات عربية وإسلامية وحالت ظروفه الصحية دون قبولها ، وإن كان أهل الأزهر - آنذاك - يجمعون على أنه أجدر من يتولى المنصب ، فقد كان اعتلاء المناصب يقتضي التحلي بشيم ليست بينها الأهلية والكفاءة والنزاهة والصرامة في الحق ، ولا يلوينك

--> ( 1 ، 2 ) من كلمة الأستاذ الدكتور إبراهيم محمد نجا في حفل مجمع اللغة العربية السابق .